السيد كمال الحيدري
150
دروس في التوحيد
وما عدا ذلك ممّا يُرى ولا يُرى مشمول لعموم نصّ الآية . لذا قال الرازي وهو يردّ على من فسّر مراد الآية بالمطر : " تخصيص قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ بالمطر تحكّم ، لأنّ قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ يتناول جميع الأشياء إلّا ما خصّه الدليل ، وهو الموجود القديم الواجب لذاته " « 1 » . الثاني : إنّ هذه الخزائن متعدّدة ؛ لقوله : إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ حيث ذكرت الخزائن بصيغة الجمع ، وأقلّ الجمع اثنان . وهذا يفيد أنّ ما من شيء في عالمنا إلّا ويعبّر عن مرتبة من الوجود ، له فوقها خزائن ، فيكون للشيء مراتب ثلاث ، هي مرتبة هذا العالم ومرتبتان في تلك الخزائن وفق قاعدة أنّ أقلّ الجمع اثنان . كما يمكن أن تتنزّل إلى مرتبتين هما : مرتبة الوجود الظاهري التي في نشأتنا ، والمرتبة التي عبّر عنها القرآن " خزائن " . هذا على تقدير أن تكون الخزائن جميعاً في مرتبة واحدة ، على هذا الاحتمال يكون لكلّ شيء مرتبتان من الوجود على أقلّ تقدير . أمّا عدد تلك الخزائن التي تحوي هذه الوجودات جميعاً ، فهو أمرٌ ينأى عن تحديده العقل ، ويحتاج القول فيه إلى دليل قطعيّ من القرآن أو الرواية ، يبيّن عدد تلك الخزائن " العوالم " . وأهمّ خصوصيّة في هذه الخزائن أنّه جعل القدر متأخّراً عنها ملازماً للشيء عند نزوله منها : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ فالشيء وهو في الخزائن وإن لم يكن مقدّراً بهذا القدر الذي يلازم نزوله منها ، لكن مع ذلك ذكرت الخزائن بصيغة الجمع ، ومن الواضح أنّ العدد لا يلحق إلّا الشيء المحدود ، وهذا معناه أنّ هذه الخزائن لو لم تكن محدودة متميّزة بعضها عن بعض ، كانت واحدة لا كثيرة . من هنا يتبيّن أنّ هذه الخزائن بعضها فوق بعض ، وكلّ ما هو عالٍ منها
--> ( 1 ) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ، للرازي ، طهران ، الطبعة الثالثة : ج 19 ص 139 .